الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

85

مختصر الامثل

النجوم عبارة عن مسامير فضائية رصّعت السماء بها فإنّ مثل هذا البيان القرآني الرائع في ظلّ ظروف وأوضاع يخيّم عليها الجهل ، محال أن يصدر من بشر عادي . وتوضّح الآية اللاحقة ما هو المقصود من ذكر هذا القسم ؟ حيث يقول سبحانه : « إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ » . وبهذه الصورة فإنّه يردّ على المشركين المعاندين الذين يصرّون باستمرار على أنّ هذه الآيات المباركة هي نوع من التكهّن - والعياذ باللَّه - أو أنّه حديث جنوني أو شعر ، أو أنّه من قبل الشيطان . . . فيردّ عليهم سبحانه بأنّه وحي سماوي وحديث بيّن وعظمته وأصالته لا غبار عليها ، ومحتواه يعبّر عن مبدأ نزوله . نعم ، إنّ القرآن كريم وقائله كريم ومن جاء به كذلك ، وأهدافه كريمة أيضاً . ثم يستعرض الوصف الثاني لهذا الكتاب السماوي العظيم حيث يقول تعالى : « فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ » . إنّه في « لوح محفوظ » في علم اللَّه ، محفوظ من كل خطأ وتغيير وتبديل . وفي ثالث وصف له يقول سبحانه : « لَّايَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ » . ذكر الكثير من المفسرين - تماشياً مع بعض الروايات الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام - بعدم جواز مسّ ( كتابة ) القرآن الكريم بدون غسل أو وضوء . كما اعتبر بعضهم أنّها إشارة إلى أنّ الحقائق والمفاهيم العالية في القرآن الكريم لا يدركها إلّا المطهّرون . فإنّ طهارة الروح في طلب الحقيقة تمثّل حدّاً أدنى من مستلزمات إدراك الإنسان لحقائق القرآن ، وكلّما كانت الطهارة والقداسة أكثر كان الإدراك لمفاهيم القرآن ومحتوياته بصورة أفضل . وفي رابع وآخر وصف للقرآن الكريم يقول تعالى : « تَنزِيلٌ مّن رَّبّ الْعَالَمِينَ » . إنّ اللَّه المالك والباريء لجميع الخلق ، قد نزّل هذا القرآن لهداية البشر ، وقد أنزله سبحانه على قلب النبي الطاهر ، وكما أنّ العالم التكويني صادر منه وهو تعالى رب العالمين فكذلك الحال في المجال التشريعي ، فكل نعمة وهداية فمن ناحيته ومن عطائه . ثم يضيف سبحانه : « أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ » . هل أنتم بهذا القرآن وبتلك الأوصاف المتقدمة تتساهلون ، بل تنكرونه وتستصغرونه في حين تشاهدون الأدلة الصادقة والحقّة بوضوح ، وينبغي لكم التسليم والقبول بكلام اللَّه سبحانه بكل جديّة ، والتعامل مع هذا الأمر كحقيقة لا مجال للشك فيها .